نصير الشيخ في : شجر من محنة الوقت.

المقاله تحت باب  أخبار و متابعات
في 
01/08/2010 06:00 AM
GMT



الشاعر نصير الشيخ يكتب نصه دون حيادية، يصطنع له الملامح الاستعارية التي تخصه، وكأنه يبحث عن صورته المرآوية وسط فضاء لغوي مزدحم بالاستعارات. او ربما يمتدح ميوله الشعرية التي تمنح القصيدة امتياز توغلاته الشخصية التي تجسّ المكان والوقت والجسد، وتنحني على الكثير من تفاصيل يومياته التي يقترحها عبر غلالة استعارية، يغيب فيها الواقع المباشر، ويحظر التشفير اللغوي بكل محمولاته ودلالاته الخبيئة لكنها النابضة..

في كتابه الشعري الجديد(شجر من محنة الوقت) الصادر عن دار الينابيع/دمشق/2010 يتمثل الشاعر فرط هذا التوغل، الذي تتبدى فيه مكابداته التي تستظل بالكثير من الاستعارات، حتى تبدو هذه الاستعارات وكأنها الاقنعة التي يلوذ بها الشاعر بحثا عن صورته المظللة، او صوته الخبيء تحت اصوات وشظايا وبقايا صراخ محاربين هاربين من اساطيرهم القديمة لينكسروا، او يصابوا بعاهات هزائم سردياتهم الواهمة..

قصائد الكتاب قابلة لاستنزاف المزيد من الاستعارات، وللتورط باستطراد كتابة هذا النمط الذي تتهشم فيه احيانا الصورة الحقيقية للشاعر، اذ هو الاكثر استغراقا بالتشفير الاستعاري الذي يضع القصيدة امام لعبة الذهاب بعيدا تحت هاجس النثر المكثف المشدود الى استعارات يوظفها الشاعر في استكناه صورته، وصوته، وربما شخصيته القلقة التي تهرب الى اللاوعي اللغوي باعتباره الاكثر قدرة على اختزال الكتابة الى صور والى استعادات تعبيرية، يضعها الشاعر بمستوى استشهادات لحظته النفسية المشوبة بالكثير من التداعي القابل للمحو.

هكذا

تعلمك يداي

غزل ضوء النجمة

وتسجية الصباح على الانهر الغريبة

هكذا

تعلمك رؤاي

ان لي وطنا

يقطر حربا

منذ اول رمح

شذبته اصابعنا

وحتى مصبات اعمارنا..

نصير الشيخ من شعراء مرحلة التسعينات الذي وجودا انفسهم امام تشوهات وجودية صاخبة، حيث الحرب، والانكسار، والارتطام الحاد بالاعماق، والذي استغرقه الكثير من شعراء هذه المرحلة عبر الهروب المباح الى اللغة، والى تلمس اليوميات والتفاصيل والاسرار، لكن دونما مباشرة، حيث تتحول اللغة الى(بيت الارواح) التي يستعيد من خلال استعاراتها الشاعر وهجه وسؤاله وشهواته غير المشبعة. ولعل عنوان كتاب نصير الشيخ(شجر من محنة الوقت) هو دليل فاضح على هذه الاستعادة، حيث يضعنا هذا العنوان امام غواية استعارية غير متكاملة، ف(الشجر) هو الدلالة الانسية للغابة، و(محنة الوقت) هي الدلالة التراجيدية لازمة الانسان/الكائن(من الكينونة) الذي يرث (حزن الكربلائيات) وهو يواجه متاهته وخرابه وموته الانطولوجي..

واحسب ان الشاعر الجنوبي نصير الشيخ هو اكثر استغراقا من غيره في هذا التشابك، اذ هو مسكون بايهام الشجر كدلالة نافرة لما تحتمله دلالة الشجر في غابة الوجود، مثلما هو مسكون بما توحيه شفرة المحنة التي تتركه للانكسار وعتمة الطبيعة والاهمال، وهذه مايضع القصيدة امام حساسية مفرطة تسري في بنيتها الاستعارية، حيث تسحبها الى المزيد من التأمل والاستعمال الاستعاري، لان الشاعر يفترضها مناخه الاليف، التعويضي، والاكثر امتلاء في مواجهة خيبة ما تتركه الطبيعة المتورطة باقدار اقاصي الجنوبي الذي يتلبسه الشاعر..

الذين اندلعت من صباحاتهم اساطير

وغفت مساءاتهم على كوانين شتاء

الذين عرّشت على اصابعهم

حقول حنطة..

هكذا هم

تبزغ من نواظرهم اشتهاءات المراعي

يؤوبون الى بيوتهم الطينية

يفترشون برودتها

ويستضيفون ليل سمر طويل..

الشاعر نصير الشيخ يأخدنا الى غابته، دون حماسة بلاغية، يترك قصيدته امام لعبة قراءتنا التي قد تبدو مسكونة بمجسات اخرى، لكنها مع كل هذا تحرضنا على اعادة هذه اللعبة مع كل ماتدفعنا اليه من استغراقات في اللغة التي تقابل الطبيعة المنتهكة، حتى تبدو وكأننا نقرأ بالفعل لغة منتهكة يتماثل واياها الشاعر في الوقوف عند نصه المرآوي.